سيد محمد طنطاوي

344

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال القرطبي ما ملخصه : « الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم ، وقد كانوا عالمين باستطاعة اللَّه لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك ، كما قال إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى وقد كان إبراهيم علم ذلك علم خبر ونظر ، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات ، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك ، ولذلك قال الحواريون : * ( وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ) * كما قال إبراهيم ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي « 1 » . ( ب ) أن السؤال إنما هو عن الفعل لا عن القدرة عليه ، وقد بسط الآلوسي هذا المعنى فقال : إن معنى * ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) * هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام : هل تستطيع أن تقوم معي مبالغة في التقاضي . والتعبير عن الفعل بالاستطاعة من باب التعبير عن المسبب بالسبب ، إذ هي - أي الاستطاعة - من أسباب الإيجاد « 2 » . ( ج ) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازي : قال السدى قوله * ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) * . أي : هل يطيعك ربك إن سألته . وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة « 3 » . والذي نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة التي ذكرناها ، ولأن اللَّه - تعالى - قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإيمان فقال : * ( وإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي ) * ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين لكشف اللَّه عن حقيقتهم ، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذروهم . ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين ، لما أمر اللَّه أتباع النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالتأسي بهم في إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّه كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّه ؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّه « 4 » .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 365 ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 7 ص 59 ( 3 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 129 ( 4 ) الآية الأخيرة من سورة الصف .